مؤسسات عالمية تتوقع اتجاه مصر لتنفيذ سياسة “سعر الصرف المدار

كتبت- منال المصري:

رجحت مؤسسات مالية عالمية تفضيل مصر سياسة سعر صرف مدار للجنيه مقابل سلة العملات الأجنبية، والتي تقوم على خفض تدريجي للجنيه، عن سياسة سعر الصرف الحر، بسبب ضغوط نقص النقد الأجنبي وتبعاته السلبية على ارتفاع معدل التضخم- أي زيادة أسعار السلع.

وتوقعت المؤسستان الأمريكيتان جولدن مان ساكس، وفيتش سوليوشنز التابعة لمجموعة فيتش العالمية، في تقارير حديثة لها حول مصر، إدارة مصر سعر الصرف عبر تخفيضه تدريجيا مقابل الدولار مع نهاية الربع الأول من العام الجاري أو خلال الربع الثاني بعد التوصل لاتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.

وتواجه مصر ضغوطا من نقص النقد الأجنبي، وانتشار السوق السوداء لتجارة العملة، وهجرة الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة (في أدوات الدين الحكومية)، وتراكم قوائم انتظار تمويل الاعتمادات المستندية بغرض الاستيراد في البنوك بسبب التبعات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية.

وأدت هذه الضغوط إلى عودة مصر لطرق أبواب صندوق النقد الدولي للحصول على قرض لتمويل برنامج إصلاح اقتصادي يعتمد على حزمة من السياسات: أهمها سعر صرف مرن، وتخارج مؤسسات الدولة من الاقتصاد وبيع حصصها في الشركات التابعة لها، وهو ما وافق عليه الصندوق في ديسمبر 2022 وخصص له قرضا بقيمة 3 مليارات دولار يصرف على شرائح على مدار 46 شهرا.

وأعلن صندوق النقد الدولي، نهاية الأسبوع قبل الماضي عقب رفع البنك المركزي سعر الفائدة 2%، انتهاء زيارة بعثته لمصر على مدار أسبوعين وتقدم المناقشات بشأن التوصل لاتفاق مع مصر حول المراجعتين المؤجلتين من مارس وسبتمبر الماضيين على برنامج الإصلاح الاقتصادي، مع استكمال المباحثات من خلال الاجتماعات الافتراضية عبر الإنترنت.

ورغم ارتفاع الدولار مقابل الجنيه بنحو 96% بعد خفض الجنيه 3 مرات خلال آخر عامين، لا تزال مصر تواجه أزمة نقص النقد الأجنبي وانتشار السوق السوداء بما قد يدفعها إلى خفض الجنيه مجددا قريبا لتمويل فجوة نقص النقد الأجنبي.

ويقدم مصراوي في السطور التالية أسباب توقع مؤسستي جولدن مان ساكس وفيتش سوليوشنز انتهاج مصر سياسة سعر الصرف المدار وليس الحر.

جولدمان ساكس

يرى بنك جولدمان ساكس الأمريكي أن توقيت وحجم أي تخفيض للجنيه غير مؤكد إلى حد كبير، فهو قرار سياسي للسلطات المصرية في نهاية المطاف، وأنه كان من المرجح أن يعتمد إلى حد ما على المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي.

وتوقع البنك الأمريكي، في تقرير صادر له حديثا حول مصر، أن تواصل مصر إدارة سعر الصرف الرسمي لكن ربما بمرونة أكبر في المستقبل، واستبعد أن يحقق تخفيض قيمة الجنيه أهداف السلطات المصرية في ظل الظروف الحالية.

وحدد جولدمان ساكس الأهداف الرئيسية لسياسة صرف العملات الأجنبية، كالتالي:

1- توحيد سعر صرف العملات الأجنبية يتطلب القضاء على السوق الموازية على المدى القريب، والتي تعد مصدر قلق لصانعي السياسات لأنها تخلق مجموعة من التشوهات الاقتصادية والمالية الحقيقية المكلفة.

وبحسب التقرير، أصبحت الفجوة بين سعر السوق الرسمي (30.94 جنيه) وسعر السوق الموازية كبيرة للغاية، لدرجة أن عدداً قليلاً من بائعي العملات الأجنبية يتعاملون بالسوق الرسمية في حين أن المشترين المحتملين ليس لديهم خيار سوى شراء العملات الأجنبية من السوق الموازية.

وعاد سعر الدولار في السوق الموازية خلال النصف الثاني من الأسبوع الماضي إلى الارتفاع بعد أن قلص خسائره في بداية الأسبوع من 19 جنيها إلى 9 جنيهات، ليرتفع السعر من 54 و55 جنيها يوم الأحد إلى قرب 63 جنيها يوم الخميس الماضي، لكنه لا يزال أقل من مستواه القياسي عند حدود 73 جنيها في تعاملات الأسبوع قبل الماضي.

2- التقليل من عمق تخفيض قيمة العملة الذي قد يكون ضروريا لمعالجة الاختلالات الخارجية، لكنه ينطوي على تكاليف اقتصادية كبيرة تزداد مع عمقها.

وفي حالة مصر، تشعر السلطات بالقلق من أن التخفيض الكبير في قيمة العملة من شأنه أن يؤدي إلى التالي:

– إثارة التضخم المرتفع بالفعل، في حين أن أغلب المعاملات الاقتصادية تتم بالسعر الموازي، فإن عدداً كبيراً من السلع الأساسية يتم استيرادها بالسعر الرسمي، وهي (الغذاء، والطاقة، والأدوية، وما إلى ذلك) وهو ما يمثل شكلاً من أشكال الدعم الضمني.

ومن شأن الضعف في سعر الصرف الرسمي للجنيه أن يؤدي إلى زيادة أسعار هذه السلع الأساسية، مما يزيد من الضغوط التضخمية.

وواصل معدل التضخم السنوي تراجعه للشهر الرابع خلال يناير الماضي، وسجل 29.8% مقابل 34.7% في ديسمبر على مستوى المدن، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، كما تراجع التضخم الأساسي من 34.2% في ديسمبر إلى 29% في يناير، وفق ما أعلنه البنك المركزي المصري.

3- ضمان استقرار العملة على المدى المتوسط، حيث تعد إعادة تحديد سعر الصرف الرسمي كمرتكز اسمي لتوقعات التضخم المحلي أمر مهم للسلطات المصرية.

من الناحية النظرية، يعد التعويم الكامل للعملة هو الطريقة الأكثر فعالية لضمان توحيد سعر الصرف لأنه لا يخاطر بعودة ظهور سعر موازٍ، ومع ذلك، هناك مخاوف بشأن خطر تجاوز أسعار صرف العملات الأجنبية، واحتمال حدوث تقلبات أكبر للعملة في ظل هذا النظام، وفقا للتقرير.

بل يعتقد البنك أن السلطات المصرية ستواصل إدارة سعر الصرف الرسمي في المستقبل المنظور، وإن كان ذلك بدرجة أعلى من المرونة عما كانت عليه في الماضي.

وأشار جولدمان ساكس إلى أن تحقيق هذه الأهداف في ظل نظام سعر الصرف المُدار يتطلب توافر شرطين:

الأول: أن الطلب على العملات الأجنبية يجب أن يتماشى مع العرض المتوقع (التدفقات الواردة).

الثاني: احتياطيات السيولة في العملات الأجنبية يجب أن تكون كافية لضمان تلبية احتياجات العملات الأجنبية دون انقطاع عند سعر الصرف الأجنبي المختار.

ويعتقد البنك أن هذه الشروط ليست موجودة بعد خاصة أن الطلب على العملات الأجنبية لا يزال مرتفعاً وغير متسق مع سعر العملات الأجنبية الرسمي.

وهذا يجعل من الصعب توحيد سعر صرف العملات الأجنبية دون انخفاض كبير في قيمة العملة، وفق التقرير.

بالإضافة إلى ذلك، يرى البنك أن النظام المصرفي الرسمي ليس لديه حاليًا سيولة كافية من العملات الأجنبية لتوحيد سعر الصرف بالنظر إلى ضغط احتمالات وجود تراكم كبير في الطلب على العملات الأجنبية.

وللتغلب على هذه التحديات، يعتقد جولدمان ساكس أن هناك حاجة إلى مزيد من تشديد السياسات ويجب على القطاع الرسمي بناء احتياطيات كافية من السيولة في العملات الأجنبية قبل أي محاولة لتوحيد سعر الصرف عن طريق تخفيض قيمة العملة.

فيتش سوليوشنز

توقعت شركة الأبحاث فيتش سوليوشنز، من خلال خدمتها “BMI”، التابعة لمجموعة فيتش العالمية، تخلي صندوق النقد الدولي عن شرط المرونة الكاملة لسعر صرف الجنيه- التعويم الحر- وهو ما كان شرطا لاتفاقيات سابقة مع مصر مقابل تفضيل الحكومة المصرية نظام العملة المدارة.

وأرجعت الشركة، في ورقة بحثية محدثة لها عن الاقتصاد المصري، توقعات تنازل الصندوق عن شرط التزام مصر بالمرونة الكاملة لسعر الصرف إلى التداعيات الصعبة للحرب بين إسرائيل وحماس على الاقتصاد المصري، والأهمية السياسية للقاهرة كوسيط في الصراع بما يحفز زيادة الدعم المالي الأجنبي.

ورجحت “فيتش سوليوشنز” سماح صناع القرار في مصر بانخفاض سعر الجنيه إلى بين 40 و45 جنيها لكل دولار في أواخر مارس المقبل أو أول الربع الثاني في 2024.

وأرجعت فيتش توقعاتها لموعد خفض العملة إلى سببين: الأول أنه بحلول شهر فبراير سينخفض معدل التضخم إلى ما يقرب من 20% على أساس سنوي، وهو ما سيجعل أي تعديل للعملة أقل إيلاماً على المستوى الاجتماعي.

أما السبب الثاني: فإن جدول سداد الدين الضخم لمصر في النصف الأول من 2024، بجانب تأثير الحرب في الآونة الأخيرة، قد يجعل اكتمال تنفيذ إجراءات البرنامج في أوائل 2024 وليس في وقت لاحق من العام، وفقا للتقرير.

وقالت فيتش سوليوشنز إن ضعف العملة سيؤدي إلى زيادة التدفقات الأجنبية، ويساعد على تصفية بعض الواردات المتراكمة (التي تقدر بأكثر من 6 مليارات دولار).

ظهرت في الأصل على www.masrawy.com

Leave a Comment